رسالة لن تصل إليك
ما لم أقله لك ولن اقوله ولا أريده أن يصل
كيف حالك؟
أعرف أنّ السؤال بسيط، لكنّه يثقل لساني كلما خطر اسمك في بالي، كيف أحوالك في الأيام الأخيرة؟ هل تغيّرت؟ هل نضجت أكثر؟ هل ما زلت تضحك كما كنت تفعل أمامي؟ أريد أن أعرف فقط… لا لأقترب، بل لأتأكد أنّ الحياة لم تُنهكك كما أنهكتني
أكتب وأنا أعاتبك بصوتٍ هادئ؛ ليس غضبًا، بل وجعًا صغيرًا لأن المسافات تكاثرت، ولأن الحديث بيننا صار ذكرى بدل أن يكون عادة، لم أطلب الكثير يومًا، كنتُ أريد فقط إجابة صادقة حين أسأل عنك
ومع ذلك، ما زال الفضول يلتهمني كيف تمضي يومك؟ من يشاركك التفاصيل التي كنتُ أعرفها أنا؟
هل انتبهت يومًا أنّ الغياب ليس دائمًا دليل قوة، أحيانًا هو فقط طريقة لنحمي ما تبقى منّا؟ ألح السؤال علي كثيرًا لا أعلم لما أكرره في كل حين ربما أن كل ما هنالك أن قلبي يتساءل عنك، كما لو أن السؤال نفسه تملكه الخجل.
كيف حالك فعلًا؟ ولماذا لا أستطيع التوقف عن التفكير في الإجابة؟ لربما أنت الآن تجلس في هدوء لا أفهمه غالبًا، تمضي الوقت على طريقتك المعتادة، تلك الطريقة التي لا أعرف تفاصيلها لكني أتخيلها كل مرة فقد كنت أحفظها سابقًا
أبدأ بهذه الجملة لأنني رغم كل شيء ما زلت أتساءل عنك نعم، ما زلت…
ليس لأنها عادة لم أفلح في كسرها، ولا لأنني أتعمد ذلك، بل لأن السؤال عنك صار جزءاً من حركة تفكيري اليومية، كأن رأسي يصنع مساحة خاصة بك دون أن أطلب منه، كأن شيئاً بداخلي لا يزال يعمل وفق منطق قديم لا يريد أن يتعطّل
وربما لو سألت نفسي فعلًا لماذا أسأل عنك؟ لن أجد جواباً واحداً، سأجد مئة احتمال، وكلها ناقصة، وكلها تقول الشيء ذاته بطريقة مختلفة أنت لم تغب، ليس لأنك موجود، بل لأن الذاكرة لا تمحى بسهولة، ولأن القلب لا ينسى العادات التي صنعها بيده. وهذه أبسط حقيقة لا أحب الاعتراف بها، لكنها موجودة رغم عنادي معها. وأقولها بلا محاولة تزيين هذه المرة
أنت لا تغيب عن بالي، لا في لحظات الكتابة، ولا في لحظات الصمت، ولا حين أفكر بما مر، ولا حين أفكر بما سيكون. أحياناً ترد لي تفاصيل صغيرة جداً، عليك أو عليّ، على مواقف لم تعد مهمة، على يوميات كانت بسيطة، على لحظات لم أكن أظن أنها ستتجمد في داخلي بهذا الشكل.
وأتساءل بعدها فورًا هل يحدث معك الشيء ذاته؟
هل تمر بي؟ ولو عرضاً؟
ليس لأنني أبحث عن اعتراف أو دليل، ولا لأنني أريد جواباً صريحاً منك رغم عدم رغبتي بسماع إجابة منكبل لأن الفضول الإنساني —وحده الفضول— يجعلني أطرح السؤال ولو إلى داخلي فقط، ليس عيباً أن يسأل الإنسان، العيب الوحيد هو أن يكذب على نفسه حين يسأل.
كتبت لك الكثير، الكثير من الرسائل التي لم تصل، ولا يجب أن تصل، ولا أعرف لماذا كنت أكتبها أصلاً، رسائل طويلة، مشوشة، متماسكة، صريحة، خائفة، قوية، وقصيرة أحياناً، ممتدة أحياناً أخرى لا أعرف… رسائل قلت فيها كل ما لم أستطع أن أقوله، أو لم أرغب أن أقوله، أو لم أجد مكاناً يقوله غير الكتابة، وكل رسالة كانت جزءاً من محاولة فهم نفسي، لا محاولة للوصول إليك، لا أحد يكتب لشخص ما زال في متناول يده فقط، الشعور الذي يخرج من القلب يكتب نفسه لأنه يحتاج فضاءً لا يضغط عليه. فضاء؟ الكتابة فضاء أوسع من الاعتراف وأبسط من الشرح وأصدق من الكلام المباشر.
وأنا الليلة أكتب لك لأنني لم أنجح في التوقف، ليس لأنني أريد شيئاً منك، ولا لأنني أعيش وهماً أنك ستقرأ هذا، بل لأنني أعرف أن الكتابة التي تؤلم هي الكتابة التي تكون صادقة حتى الصميم، وأنا لا أريد أن أُبقي هذا الصدق محبوساً في داخلي
غرفتي الآن ساكنة حدّ الوجع. لا أسمع صوتاً غير صوت تنفسي، ورقّة الليل التي بدأت تخف، لأن الشمس تتهيأ للظهور، ليس شروقاً كاملاً، بل بدايته فقط الضوء الذي يدخل من النافذة ضعيف جداً، لكنه كافٍ ليقول لي إن الوقت يمشي، وإنني لم أنم، وإنني لا زلت أكتب إليك
لا أحد مستيقظ الآن، العالم كله ما زال نائماً، البيوت صامتة، الشوارع فارغة، وأنا الوحيدة التي تسهر على فكرة لا يجب أن تسهر عليها، أكتب وكأن الكتابة محاولة أخيرة للقبض على شيء ينفلت
وأعرف أنّ جزءاً مني يشفق على نفسه وهو يكتب، يشفق لأنه يعرف أن جهده لن يصل إليك، ويشفق لأنني رغم معرفتي بكل شيء… ما زلت أفكر بك.. ولست غاضبة من نفسي، ولا من هذا التعلق الذي أعرف أنه ليس خطيئتي، لكنه ليس ميزة أيضاً، إنه فقط جزء مني، وسيأخذ وقته حتى يهدأ
وأنا؟ أنا لا أكره هذا الجزء، ولا أقاتله كما يُفترض أن أفعل. أتركه يتحرك كما يريد، لأنني أدرك أن مقاومة الشعور جزء من زيادة ألمه، ولست الآن في لحظة تسمح لي بإضافة مزيد من الألم إلى ما أحمله. وأنت، رغم غيابك، ورغم كل ما حدث، ورغم المسافة التي تفصل الآن بين ما كنا وما نحن عليه… ما زلت جزءاً من الذاكرة. جزءاً من الأيام التي لا أشطبها ببساطة، ليس لأنك تستحق البقاء، ولا لأنني ضحية، بل لأن هناك أشياء في الحياة تُترك كما هي، لا نمحوها ولا نعيد كتابتها، بل نتركها لتكون شاهدة على مرحلة انتهت… وأنت إحدى تلك الأشياء.
سأقول لك شيئاً لا يليق بنبرة القوة المعتادة التي أدعيها، لكنه حقيقي
أشتاق
ليس لك كما أنت الآن، ولا لك كما كنت في آخر مرة، ولا لك في صورتك الحالية، بل لما كنت عليه أنا حين كنت أكتب لك، أشتاق لنسخة من نفسي كانت تكتب دون خوف، كانت تحلم دون تردد، كانت تؤمن بما تشعر به، ولا تخشى خسارة أحد.
أشتاق لطمأنينة لم يعد لها مكان الآن
أشتاق لفتاة صغيرة في داخلي كانت تثق أن الأشياء الجميلة لا تُكسر
وأعرف أنّ هذه النسخة لم تختفِ، بل تغيرت… نضجت… صارت أكثر واقعية
ولا بأس النضج ليس لعنة، بل مرحلة لا بد منها
ولكنّ الأغرب أنني حين أفكر فيك… لا أفعل ذلك كمن يريدك.
ولا كمن ينتظر شيئاً منك.
ولا كمن يرفض تقبل النهاية.
أفعل ذلك كمن يتأمل جرحاً شُفي، لكن مكانه لم يختفِ
كمن يلمس أثر شيء مر من هنا سابقاً، وترك جزءاً من صوته ثم رحل.
وأعرف أنك ربما لم تكن تفكر بي، وربما لن تفعل، وأعرف أن هذا النص، حتى لو وصل لك بطريقة غير متوقعة، لن يُقرأ بالمعنى الذي أكتب به، لأن المعنى يولد داخلي ولن تفهمه، أو ستفهمه لكنك لو فهمته لما كنت لأكتبه من الأساس!، ولا رغبة لي بأن تراه، ولا حاجة لي بأن ترد عليه، ولا مسافة في داخلي تتوق لاعتراف منك، أنا فقط أكتب
والآن سأقول لك ما لم أقله من قبل
الكتابة عنك لا تعني أنني لا زلت أحبك
ولا أنني أريد العودة إليك
ولا أن قلبي يتشبث بك
هي فقط طريقة كي أرتب مافي داخلي.
أنزع ما علق هناك، أتركه في الكلمات كي لا يضيق صدري به.
لو كنت أريدك فعلاً، كنت سأبحث عنك.
ولو كنت أحاول استعادة شيء، لقلت ذلك بوضوح.
لكنّي لست هنا لهذا، ولا من أجل ذلك.
أنا هنا لأنني ببساطة إنسان…
والإنسان يحتاج أن يتعامل مع ما يشعر به بصدق، ولو مرة
أتساءل أحياناً،
هل ما زلت تمشي في طريقك القديم؟
هل ما زلت تقرأ من الكتاب الذي أقترحته عليك؟
هل تغيرت أم بقيت كما أنت؟
هل هناك أحد بجانبك الآن يشاركك تفاصيلك الصغيرة أم لا زال مكاني كما هو؟
هل سبق وفكرت بي في لحظة بلا قصد؟
هل حدثتك نفسك يوماً عما تركته في داخلي؟
وهل كان وجودي مرحلة؟ أم مجرد نقطة عابرة في يومك؟
ولعل أجمل ما وصلت إليه أنني حين أسأل هذه الأسئلة… لا أبحث عن الإجابة
السؤال لا يحتاج جواباً ليكون له معنى
السؤال هنا مجرد طريقة للتأمّل
وأنا اكتشفت أنني لست بحاجة لأن أعرف ماذا يحدث معك، لأن الأمر لم يعد يعني لي ما كان يعنيه سابقاً
هناك حقيقة قد تبدو كبرياء؟ لا أعلم لكن بالفعل
مكانك في قلبي تغير.
أنت لم تعد ذلك الشخص الذي أرى الدنيا من خلاله.
كنتَ صفحة، صفحة جميلة، لكنها صفحة. وتمّ طيُّها
أنا لا أكرهك
ولا ألومك.
ولا أراك سيئاً،
ولا أراها خيانة أو ضياعاً أو ظلماً.
كل ما هنالك أننا لم نعد نسير في الاتجاه نفسه
وأنا تعلمت مؤخراً أن أترك ما يريد الرحيل… يرحل.
لا أركض
لا أطلب
ولا أبحث
وهذه أول مرة أصل فيها إلى هذا السلام مع نفسي
أنظر لنفسي الآن فأجدني مختلفة
أعرف حدودي
أعرف ما يستحق وما لا يستحق
أعرف كيف أحمي قلبي دون أن أغلفه بالبرد
أعرف أن الحب لا يموت… لكنه يتحوّل
وأعرف أنني قادرة على البدء من جديد متى أردت، وبمن أريد، ودون أن أحمل رماد الماضي على كتفي
ومع ذلك… ورغم كل هذه القوة التي صنعتها بصعوبة… أكتب إليك الآن
وهذا هو الجزء الذي لا أفهمه.
أحياناً نفعل ما لا نفهم.
نكتب لمن لا يجب أن يقرأ.
نفكّر بمن لا يجب أن يفكر بنا.
نسأل عن شخص لم يعد في مكان يسمح لنا بأن نسأله.
نرتب الكلمات كما لو أن الطرف الآخر يقف قُبالنا، بينما نعرف أنه ليس هنا.
والآن، بينما أقترب من نهاية ما أكتب، وأشعر أن الشمس اكتملت خلف النافذة، وأن الضوء صار أقوى من الليل، وأن الوقت بدأ يعلن بدء اليوم، أكتشف شيئاً بديهياً ومؤلماً وصادقاً
ربما هذه الرسالة كلها ليست لك، وربما لم تكتب لتصل إليك أصلاً
وربما ما أفعله الآن هو كتابة وجهي الداخلي، لا وجهك أنت، ربما أنت مجرد ذريعة، مجرد بوابة، مجرد اسم عابر، كي أقول لنفسي ما لم أقله منذ زمن ما لم أفكر في قوله قط، كيف يخسر الإنسان شخصاً ولا يخسر نفسه؟
كيف يشتاق دون أن يعود؟
كيف يتذكر دون أن يتبعه؟
كيف يتقبل النهاية دون أن يخترع ألف بداية وهمية؟
كيف يصبح أقوى دون أن يتقسى؟
كيف يترك ولا ينكسر؟
كيف يواصل الطريق دون أن يحمل أحداً على كتفيه؟
كيف يشفى دون أن يدّعي النسيان؟
هذه الأسئلة هي أنا وليست أنت
وأنا وصلت إلى يقين واحد
أحببتك كما يليق بالحب أن يُحب
بصدق، وبنية طيبة، وبرغبة في بناء شيء جميل
لكني اليوم.. أحب نفسي أكثر.
ولأول مرة، لا أخجل من هذا
ولا أتراجع عنه
ولا أساوم عليه
مع كل ما كتبته، ومع كل ما سأكتبه لاحقاً، ومع أن قلبي يعرف أنك ربما لن تفهم، ومع أن جزءاً صغيرًا في داخلي كان سيتمنى لو تقرأ… إلا أنك لا يجب أن تقرأ.
لن أرسلها إليك
لن تصل
لن تعرف
لن ترد
وأنا… سأستمر بالكتابة.
لكن مهما طالت كتابتي
أنت لن تقرأها أبداً

