"النسوية والمساواة، نوال السعداوي وما سمّته "تحرر المرأة
لما تكره السعداوي كل ما هو تقليدي وتعتبر الدين عائق أمام تحرر المرأة؟
مقدمة
منذ بدايات القرن العشرين، ومع انفتاح العالم العربي على الفكر الغربي، بدأت أصوات ترتفع باسم “تحرير المرأة”، وكان من بين أكثرها جرأة ووضوحًا صوت نوال السعداوي، الطبيبة والكاتبة المصرية التي جعلت من نقد الدين قضية حياتها، ومن الحديث عن المرأة منطلقًا لكل فكرها
لم تكن نوال السعداوي مجرد كاتبة مثيرة للجدل، بل كانت حالة فكرية قائمة على رفض كل ما هو تقليدي، واعتبار الدين - خاصة الإسلام - عائقًا أمام ما سمّته “تحرّر المرأة”
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد سنوات من الجدل، هل ما نادت به السعداوي حرية حقًا؟ أم أنه كان طريقًا آخر للضياع تحت شعار الحرية؟
فكرٍ متمرّد ودين رحيم
نوال السعداوي رأت أن الحجاب رمز للعبودية، وأن الدين يقيّد المرأة باسم الفضيلة، وأن الحل هو أن تتحرر من كل سلطة، حتى سلطة الله ذاته
كانت تقول: “حين تضع المرأة الحجاب، فهي تضعه لأن المجتمع والرجال فرضوه عليها، لا لأن الله أراده”
وهذا هو لب فكرها إلغاء المرجعية الإلهية لصالح التجربة الفردية
لكنها، في سعيها لذلك، خلطت بين “السلطة الاجتماعية” و ”السلطة الإلهية”
الدين الإسلامي حين أمر بالحجاب، لم يكن صوت المجتمع، بل أمر من خالقٍ يعلم طبيعة خلقه
“يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين”
(سورة الأحزاب، الآية 59)
الآية ليست أمرًا بالعزل أو التحقير، بل حماية ورفعة
نوال، التي درست الطب، كانت تفهم الجسد تشريحًا لا روحًا، وكانت تقرأ النصوص بعقل غربي متأثر بأفكار أوروبا في القرن التاسع عشر، حيث كانت المرأة هناك فعلاً مضطهدة
لكنها أسقطت واقع الغرب على الإسلام، فخلطت بين ظلم الإنسان وظلم الدين، مع أن الإسلام في ذاته براء من الظلم كله
المرأة في “المساواة” و ”العدالة”
سأرد على فكرة “المساواة” ببساطة كما أرد على كل من ينادي بها بلا تمييز
الله سبحانه وتعالى قال:
“وليس الذكر كالأنثى”
(سورة آل عمران، الآية 36)
وهذا ليس انتقاصًا من المرأة، ولا تفضيلاً مطلقًا للرجل، بل بيان أن كلاً منهما له طبيعته، ووظيفته، ومجاله
المرأة ليست نسخة ناقصة من الرجل، والرجل ليس نسخة ناقصة من المرأة، بل كل منهما مخلوق مكتمل في دوره الذي أُودِع فيه
العدالة الحقيقية لا تكون بالمساواة المطلقة، لأن المساواة بين المختلفين ظلم
فإذا ساويت بين من يختلف في القوة أو المسؤولية أو الطبيعة، فقد ظلمت الاثنين
الإسلام لم يقل “الرجال والنساء سواء في كل شيء”، بل قال:
“ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة”
(سورة البقرة، الآية 228)
تلك الدرجة ليست تفوقًا في الكرامة، بل في المسؤولية
هي قوامة تكليف لا تشريف، ومسؤولية رعاية لا سيطرة
المرأة في الإسلام شريكة حياة، لا تابع، وأم وصانعة جيل، لا هامش
أما النسوية الحديثة - تلك التي تغذّت من فكر نوال السعداوي وأشباهها - فحملت مفهوم “المساواة” كأنها معركة ثأر بين الجنسين
ظنت أن العدالة تتحقق حين تتشابه المرأة والرجل في كل شيء
اللباس، الدور، المشاعر، حتى الحمل والرضاعة إن استطعن!
لكن في هذا التشابه الظاهري ضياع للجوهر، وإنكار للفطرة التي فطر الله الناس عليها.
لماذا الحجاب؟ ولماذا على المرأة؟
الحجاب في نظر نوال السعداوي رمزٌ لقمع المرأة، وفي نظر الإسلام رمز لحريتها
الفرق في زاوية النظر بكل بساطة
فالإسلام لا ينظر إلى الجسد بوصفه عيبا يجب إخفاؤه، بل أمانة يجب حفظها، الحجاب ليس إذلالاً، بل امتثال لقول الله تعالى:
“وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يُبدين زينتهن إلا ما ظهر منها...”
(سورة النور، الآية 31)
وليس صدفة أن الآية التي سبقتها كانت:
“قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم”
(سورة النور، الآية 30)
فالتكليف بدأ بالرجل، لأن الفتنة لا تُزال من طرف دون الآخر، لكن الله، بحكمته، جعل الحجاب خاصًّا بالمرأة لأنها موضع الجمال الطبيعي، ولأن فطرتها الرقيقة تستحق أن تُصان من أن تُعامل كجسد قبل أن تُقدر كروح.
الحجاب ليس حكمًا اجتماعيًا، بل عبادة
وما كان لله أن يقاس بعقلٍ بشري محدود في الزمان والمكان
كما أن ستر العورة فرضٌ على الجميع، لكن حدوده تختلف بحسب الجنس، لا بحسب القيمة
قال رسول الله ﷺ:
“احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك”
فقال: يا رسول الله، أرأيت إن كان القوم بعضهم في بعض؟
قال: “إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها.”
قال: أرأيت إن كان أحدنا خالياً؟
قال: “فالله أحق أن يُستحيا منه من الناس.”
(رواه الترمذي)
التفسير:
النبي ﷺ في هذا الحديث يأمر المسلم بحفظ عورته في كل حال:
فلا يكشفها أمام أحدٍ إلا أمام الزوج أو الزوجة. وحتى إذا كان الإنسان وحيداً في غرفته، فالأفضل أن يستحيي من الله تعالى وألا يكشف عورته إلا لحاجة (كالاغتسال أو تبديل الملابس)
عورة الرجل:
من السُّرّة إلى الركبة، فلا يجوز للرجل أن يُظهر هذه المنطقة أمام غير زوجته.
ويُستحب أن يلبس ما يستر جسده كله، فذلك أدب وحياء.
عورة المرأة:
أمام الأجانب (غير المحارم): جميع جسدها عورة عدا الوجه والكفين (على قول جمهور العلماء).
أمام النساء أو المحارم: ما بين السُّرّة والركبة عورة، ولكن يُستحب أن تلبس ما يستر بدنها كله حياءً وأدباً
الإسلام دين الحياء والستر، والستر لا يعني فقط ستر الجسد، بل يشمل ستر النظر والكلام والسلوك أيضاً.
قال ﷺ:
“الحياء شعبة من الإيمان”
المرأة لم تُكلف بالحجاب لأن الرجل “أعظم”، بل لأن الله خلق فيها ما يحتاج إلى حماية من عبث النفوس الضعيفة.
إنصاف الغرب للمرأة في ظنهم
في الوقت الذي تنادي فيه النسوية بالمساواة، نجد أن الفلاسفة والعلماء الذين أُعجب بهم الغرب هم أول من أهان المرأة
أرسطو قال: “الأنثى رجل ناقص.”
أفلاطون رأى أن النساء صُنعت من أرواحٍ أقل نقاءً.
داروين كتب في أصل الإنسان: “النساء أقلّ عقلانية لأنهن أقلّ تطورًا.”
وفي الديانة الهندوسية، كانت المرأة لا ترث، وإذا مات زوجها تُحرق معه.
وفي البوذية، كانت المرأة تُعد عائقًا أمام النيرفانا، ولا تصل للسلام إلا إن وُلدت رجلًا في حياةٍ أخرى.
كل هذه الأفكار، التي يعتبرها الغرب إرثًا فلسفيًا، تنضح باحتقار المرأة
ثم جاء الإسلام، في مجتمعٍ كانت الطفلة تُدفن حيّة، فقال:
“وإذا الموؤودة سُئلت بأي ذنبٍ قُتلت”
(سورة التكوير، الآية 8)
وقال أيضًا
“من عمل صالحًا من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياةً طيبة”
(سورة النحل، الآية 97)
أيّ دينٍ هذا الذي يساوي بين الرجل والمرأة في الجزاء، ويُعطيها ذمة مالية، وحق الإرث، وحق التعليم، وحق الاختيار؟
أهذا هو الدين الذي قالت نوال إنه يقمعها؟
نوال السعداوي... في الطب والفكر
نوال درست الطب، وكتبت عن علم النفس، لكنها حين تحدثت عن الدين، نسيت أن الدين ليس جمجمة تُشرح، ولا جسدًا يُفكك.
قالت مرة: “المرأة خُلقت حرة، والحجاب أول قيدٍ في معصمها.”
لكن الحرية التي لا تعرف قيدًا تتحول إلى فوضى
الإيمان في جوهره أن تختار أن تُطيع.
والحرية الحقيقية ليست أن أقول “أفعل ما أشاء”، بل أن أقول “أعرف لماذا أفعل”
لقد كانت نوال جريئة، نعم، لكنها لم تكن منصفة، كثير من أقوالها في المقابلات كانت قائمة على التعميم، والخلط بين العادات والدين
ربطت قمع المرأة بمفاهيم اجتماعية مارسها بعض الجهلة باسم الدين، ثم حاكمت الدين نفسه على أفعالهم
والنتيجة جيل من الفتيات اللواتي ظنن أن حجابهن عائق، وأن طاعتهن ضعف
لكن أي ضعفٍ في أن تُطيع خالقها؟
وأي قوةٍ في أن تُطيع هوى الناس؟
الإسلام كرم المرأة في حين أهانها غيره
حين ننظر إلى نصوص الإسلام، نرى تكريمًا متدرجًا لا مثيل له
جعل الجنة تحت أقدام الأمهات.
جعل البرّ بالمرأة أعظم القربات.
قال النبي ﷺ: “استوصوا بالنساء خيرًا”
وقال أيضًا: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”
أيّ تكريم بعد هذا؟
أيعقل أن يكون الدين الذي جعل المرأة نصف الإيمان (بالأمومة والرحمة والطهارة) هو ذاته الذي يُتهم بأنه قيد لها؟
الذي لم يفهمه فكر نوال السعداوي أن الإسلام لم يضع المرأة تحت الرجل، بل وضعها بجانبه، يكمله وتكمله، القوامة ليست استبدادًا، بل تكليف بالحماية والإنفاق والرعاية، ولو كانت قهرًا لكانت مفسدة، لكنّها في أصلها مسؤولية
والمرأة في الإسلام ليست ظلًّا لأحد، بل نور يسكن البيت، وطمأنينة تملأ القلب، وصوتُ رحمة إذا علا أخرس القسوة.
لم تكن يوماً بحاجة لأن ترفع شعار المساواة لتثبت وجودها، فوجودها ذاته آية من آيات الله، وجمالها في التزامها بحدوده لا في كسرها
فكل ما أراده الإسلام منها هو أن تكون حرةً في طاعتها، عزيزة في عفافها، ورفيقة في رسالتها.
فمن ظنّ أن ستر الجسد إخفاء، لم يعرف أن فيه كشفًا لأسمى معاني الكرامة.
ومن ظنّ أن الانتماء للدين تقييد، لم يذق طعم الأمان في ظله.
خاتمة
في النهاية، نوال السعداوي لم تكن عدوة للمرأة بقدر ما كانت ضحيةً لفهم ناقص عن الدين والحرية، كانت تبحث عن عدالة حقيقية، لكنها اتخذت طريقًا يبتعد عن الله ليصل إلى الإنسان، فابتعدت عن كليهما، الحرية التي دعت إليها نوال تنتهي عند حدود الرغبة، أما الحرية التي دعا إليها الإسلام فتبدأ عند حدود الوعي
الحجاب، في جوهره، ليس قيدًا على الجسد، بل حماية للروح من أن تسلب كرامتها تحت اسم الحرية، والدين الذي أمر به لم يُرد أن يسجن المرأة، بل أراد أن يرفعها لتعبد الله لا أن تعبد من الناس.
إن من أخطر ما فعلته النسوية الحديثة أنها جعلت المرأة في خصومة مع فطرتها، وفي حرب مع ذاتها، تطالب أن تُعامل كرجل حتى لو خسرت أنوثتها، وتصرخ بالحرية وهي لا تدري أن أقدس حرية هي أن تطيع الله عن وعي واختيار.
فيا من تتبعين فكر نوال أو غيرها
حرري نفسك، الله لم يأمر بالحجاب ليخفيك، بل ليصونك، لأنك في نظر الإسلام لست جسدًا يُرى... بل روحًا تُكرم.
المصادر:
1. القرآن الكريم:
الأحزاب 59
النور 30–31
آل عمران 36
البقرة 228
التكوير 8
النحل 97
2. صحيح البخاري (حديث رقم 5186)
3. الترمذي (حديث رقم 3895)
4. تفسير ابن كثير – باب آيات الحجاب
5. الترمذي في سننه – كتاب الأدب في حفظ العورة – (حديث رقم 2794)
6. التحرير والتنوير لابن عاشور
7. محمد الغزالي – قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة
8. نوال السعداوي – المرأة والجنس، دار الآداب، بيروت
9. نوال السعداوي – الوجه العاري للمرأة العربية
10. Will Durant – The Story of Civilization, Vol. 3
11. Charles Darwin – The Descent of Man (1871)
12. Encyclopaedia of Religion and Ethics, Vol. 6 – Section “Hinduism and Women”
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله


فعلا اضاعت طريق الله فضاعت منها حياتها
ما قدرت حبها او اتقبلها و استغرب كيف في بنات يسمعوا لأفكار انسانة تطاولت على الله