المَساء للشاعر الجليل مُطران خليل مُطران
بين قصة حب لم تكتمل وقصيدة لن تنسى..
منذ فترة ليست ببعيدة جذبتني قصيدة تسمى “المساء“ لم أبحث كثيرًا أكتفيتُ بقراءتها والمضي..
لكن بعدها عدنا للدراسة فكان من محاسن الصدف حقًا أن تكون احد قصائد المنهج المقرر علينا هي قصيدة المساء لشاعر القطرين خليل مطران
شعرت حينها أن علي حقًا البحث عنها فبعد الذي سمعته من أستاذي عنه تملكني الفضول للبحث عنه وعن حياته وعن قصته وعن النهاية المأساوية اللتي صنعت لنا تحفته الفنية
من هو مطران؟
شاعر لبناني شهير. لقب بشاعر القطرين، وعرف كأحد تلامذة الشعر العربي الكلاسيكي من خلال مجموعة من الكتابات التي لاقت رواجًا كبيرا بين القراء
استقر في مصر سنة 1893 ؛ ولذلك لقب بشاعر القطرين (مصر ولبنان) ، وعمل في جريدة الأهرام ، وفي ترجمة مسرحيات شكسبير (كعطيل - هاملت - ماكبث) كما أنه عين رئيسا للفرقة القومية ، وظل كذلك حتى توفي سنة 1949 ، وهو رائد المدرسة الرومانسية في الشعر العربي المعاصر كما يقال الأب الروحي للرومانسية، حيث يتميز شعره بالصدق الوجداني الحي والأصالة العربية والنغمة الموسيقية ، وله ديوان مطبوع يسمى (ديوان الخليل)
التجربة الشعرية لقصيدة المساء
عاش شاعرنا قصة حب مريرة فاشلة سنة 1902م
لا اعرفها بالتفصيل لكن سأروي ما حكاه لي أستاذي
خليل مطران أحب واحدة من مصر عاشا ما يقارب 10 سنين في قصة حب، عندما ذهب ليتقدم لها رفضه والدها
حسنًا لما أكتفى بحبها 10 سنين دون أن يفكر بالتقدم لخطبتها؟
كان مسيحيًا، مما جعل رفض والدها له أكبر حاول طلب يدها لكنه كان دائمًا يرفض، شاعرنا رغم علمه أن حبهم قد لا يدوم لكنه كان صادقًا جدًا في مشاعره وأحبها من كل قلبه لذا
عاود الكرة مرارًا وتكرارًا إالى أن انتقل والدها بعيدًا دون أي اثر وأخذ معه الحسناء محبوبة خليل، مرض على إثر هذا ، فأشار عليه أصدقاؤه (حافظ، شوقي) بالذهاب إلى الإسكندرية للاستشفاء من مرضه النفسي والجسدي بهواء البحر الطلق، ولكنه لم يجد ما كان يرجوه فلقد تضاعف الألم ألم الفراق لحبيبته التي تركها في القاهرة وألم المرض
واسودت الدنيا في وجهه ، وخرج ذات يوم قبيل الغروب ووقف على شاطئ البحر حتى حلول المساء ، ورأى خياله المُعذب كيف قضى الليل على حياة النهار ، فتخيل أن هذا الحب الفاشل سوف يقضي على حياته كما قضى الليل على النهار فانفعل بهذا الموقف وكتب هذه الأبيات النابعة من تجربته الذاتية الصادقة
المساء
داء ألمّ فخلت فيه شفائي
من صبوتي فتضاعفت بُرحائي
يا للضعيفين إستبدا بي وما
في الظلم مثل تحكّم الضعفاء
قلب أذابته الصبابة والجوى
وغلالة رثت من الأدواء
والروح بينهما نسيم تنهد
في حالي التصويب والصعداء
والعقل كالمصباح يغشى نوره
كدري ويضعفه نضوب دمائي
هذا الذي أبقيتيه يامنيتي
من أضلعي وحشاشتي وذكائي
إني أقمت على التعل بالمنى
في غربة قالوا تكون دوائي
إن يشفي هذا الجسم طيب هواءها
أيلطف النيران طيب هوائي؟
او يمسك الحوباء حسن مقامها
هل مسكة في البعد للحوباء؟
عبث طوى في البلاد وعلة
في علة منفاي لإستشفائي
متفرد بصبابتي متفرد
بكآبتي ومنفرد بعنائي
شاكي الى البحر إضطراب خواطري
فيجيبني برياحه الهوجاء
ثاوي على صخر أصم وليت لي
قلباً كهذه الصخرة الصماء
يا للغروب وما به من عبرة
للمستهام وعبرة للرائي
ولقد ذكرتك والنهار مودع
والقلب بين مهابة ورجاء
فكأن آخر دمعة للكون قد
مزجت بآخر أدمعي لرثائي
وكأنني آنست يومي زائلاً
فرأيت في المرآة كيف مسائي
يا لجمال هذه القصيدة وشدة ألمها! إنها حقاً تعكس حالة إنسان وصل إلى أقصى درجات اليأس والحزن
يبدأ مطران القصيدة بأنه قد سافر ليتعالج من مرض في جسده، لكنه ظنّ أن هذا السفر سيشفيه أيضاً من مرض الحب والشوق الذي أتعبه
لكن للأسف السفر لم يزده إلا وجعاً مضاعفاً. فاجتمع عليه المرض الجسدي والألم الروحي ليفتكا به
يتحدث الشاعر عن قلبه المُتعب وجسمه المنهك بالمرض، ويقول إن أسوأ أنواع الظلم هو أن يتمكن منك شيء ضعيف. قلبُه ذاب من شدة الحب والحزن، وجسمه أصبح بالياً كالثوب القديم من كثرة الأسقام. حتى عقله، الذي كان يضيء له الحياة، أصبح مُظلماً وضعيفاً بسبب الحزن ونقصان قوته، يقول لحبيبته إن ما تبقى منه هو مجرد بقايا إنسان مُحطم.
وبمرارة، يتساءل مطران عن جدوى السفر الذي كان يُفترض أن يكون علاجاً. يقول أنا أعيش على أمل كاذب بأن هذه الغربة ستكون دوائي. ولكن كيف للهواء العليل أن يطفئ النار المشتعلة في صدري؟ وكيف لمكان جميل أن يُبقي على روحي التي توشك على الانفلات والموت؟ يكتشف في النهاية أن سفره كله كان عملاً فارغاً بلا فائدة، بل هو مرض جديد أضيف إلى أمراضه القديمة
يصل الشاعر إلى حالة من الوحدة القامتو. لا أحد يشاركه حزنه ولا آلامه، إنه متفردٌ تماماً بكل ما فيه من عذاب وشوق وكآبة. لهذا، لا يجد أمامه إلا البحر ليشكي إليه اضطراب أفكاره. لكن البحر لا يُهدّئ من روعه، بل يجيبه برياحه القوية المُضطربة، وكأنه يشاركه جنونه وقلقه. في هذه اللحظة، يتمنى الشاعر أمنية تكسِر الخاطر، جلس على صخرة صلبة، ويتمنى لو أن قلبه أصبح قاسياً مثلها، خالياً من الإحساس، حتى يرتاح من هذا العذاب.
وتأتي اللحظة الحاسمة مع غروب الشمس. يرى مطران في هذا الغروب نهاية كل شيء. إنه مشهد مليء بالعبرة والعظة، لكنه بالنسبة له هو دمعة حزن تُعلن عن نهاية وشيكة. يتذكر حبيبته مع وداع النهار، ويشعر بالخوف والأمل معاً. وفي أشد لحظات التأثر، يرى أن آخر دمعة تذرفها الشمس وهي تغيب تختلط بآخر دمعة تخرج من عينيه حزناً على نفسه. وفي النهاية، يصل إلى اليقين المفجع إنه يرى نهايته. لقد نظر إلى مشهد الغروب الحزين، فرأى فيه مستقبله ونهايته، فكأن الغروب مرآة أظهرت له موته القادم.
إنها قصيدة عميقة بحق، تجعلك تشعر بحجم الوحدة والألم الذي عاشه الشاعر قبل أن يكتب هذه الكلمات
هناك ملاحظة جميلة لاحظتها في البلاغة عن هذه القصيدة
-لماذا استخدم الشاعر الياء المكسورة في قصيدته؟ وهل هي قافية صحيحة؟
-إستخدامه للياء المكسورة كان ككسره من فقدان حبيبته، نعم
وهكذا يا أعزائي تنطفئ القصيدة كما تنطفئ شمس النهار في أحضان الغروب، تاركة في القلب رجع أنينها ودمعة مدادها
لقد باح الشاعر بضعفه، إذ جعل من الحزن لغة، ومن الأنين نشيداً خالاً
هذه الأبيات لا تُقرأ فحسب، بل تُحسّس القارئ أن وراء كل كلمة روحاً تتفتت، وعقلاً يتماوج بين نورٍ وظلام هي قصيدة تُشبه المرآة التي عكست وجع شاعرها، لكنها في الوقت ذاته عكست وجعنا نحن، فصرنا نرى في حروفه ما لم نجرؤ أن نقوله
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله


مدري شقول بس ابدااااع مراااا 🥹🥹